حكم المحكمة الدستورية العليا بشأن جداول المخدرات – عدم دستورية جداول المخدرات 2026 – عدم دستورية قرار رئيس هيئة الدواء – حكم المحكمة الدستورية في الدعوي رقم 33 لسنة 47 قضائية

الدعوى 33 لسنة 47 – دستورية – المحكمة الدستورية العليا – مرفوعة علنية تم الحكم بتاريخ 2026/02/16
عرض الحكم:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم الاثنين السادس عشر مــــن فبراير سنة 2026م،
الموافق الثامن والعشرين من شعبان سنة 1447هـ.
برئاسة السيد المستشار/ بولس فهمي إسكندر رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين: رجب عبد الحكيم سليم والدكتور محمد عماد النجار والدكتور طارق عبد الجواد شبل وخالد أحمد رأفت دسوقي وصلاح محمد الرويني
ومحمد أيمن سعد الدين عباس نواب رئيس المحكمة
وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشري رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ عبد الرحمن حمدي محمود أمين السر
أصدرت الحكم الآتي
في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 33 لسنة 47 قضائية “دستورية”، بعد أن أحالت محكمة النقض – الدائرة الجنائية، دائرة الأحد (ب) بحكمها الصادر بجلسة 26/10/2025، ملف الطعن رقم 5835 لسنة 94 قضائية
المقام من
النيابة العامة
ضد
محمود عبد الصابور عبد العليم أحمد، “محكوم عليه”
ومنه ضد
النيابة العامة
الإجراءات
بتاريخ الرابــــع مــــن نوفمبر سنة 2025، ورد إلى قلــــم كتاب المحكمة الدستوريــــة العليا ملف الطعن رقم 5835 لسنة 94 قضائية، بعد أن قضت محكمة النقض – الدائرة الجنائية، دائرة الأحد (ب) – بجلسة 26/10/2025، بقبول طعني النيابة العامة والمحكوم عليه شكلًا، وبوقف نظر الطعن تعليقًا، وإحالته إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وفيها حضر الأستاذ/ عبد الناصر فايد عمر “المحامي”، وطلب التدخل انضماميًّا، وقررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع تتحصل -على ما يتبين من حكم الإحالة وســــــائر الأوراق- في أن النيابة العامة قدمت المحكوم عليه في الطعن المحال إلى المحاكمة الجنائية، أمام محكمة جنايات سوهاج، في الدعوى رقم 7652 لسنة 2023 جنايات مركز جرجا، المقيدة برقم 2428 لسنة 2023 كلي جنوب سوهاج، متهمة إياه بأنه في يوم 27/9/2023، بدائرة مركز شرطة جرجا – محافظة سوهاج:
1- أحرز بقصد الاتجار جوهرًا مخدرًا (ميثامفيتامين) في غير الأحوال المصرح بها قانونًا.
2- أحرز سلاحًا ناريًّا غير مششخن (فرد خرطوش) بدون ترخيص.
3- أحرز ذخائر (طلقتان) مما تستعمل على السلاح الناري آنف البيان حال كونه غير مرخص له بحيازته أو إحرازه.
وطلبت عقابه بالمواد (1 و2 و7 و34 بند (1) فقرة “أ”-2 بند (6) و42/1) من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 182 لسنة 1960 في شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها، المعدل بالقانون رقم 122 لسنة 1989، والبند رقم (12) من القسم الأول (ب) من الجدول رقم (1) الملحق بالقانون الأول والمستبدل به قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023، وبالمواد (1 و6 و26/1، 4 و30/1) من القانون رقم 394 لسنة 1954 المعدل بالقوانين أرقام: 165 لسنة 1981، و6 لسنة 2012، و163 لسنة 2022، والجدول رقم (2) الملحق بالقانون الأول. وبجلسة 15/1/2024، حكمت المحكمة حضوريًّا بمعاقبة المتهم بالسجن المشدد لمدة ثلاث سنوات وتغريمه مبلغ خمسين ألف جنيه عن إحراز المواد المخدرة، وبالحبس مــــــع الشغل لمــــــدة سنة واحــــــدة وتغريمــــــه ألف جنيه عن إحراز السلاح الناري والذخيرة، وذلك عملًا بنص المادة (304/2) من قانون الإجراءات الجنائية، والمواد (1 و2 و38 و42/1) من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 182 لسنة 1960 المعدل، والبند رقم (91) من القسم الثاني من الجدول رقم (1) الملحق به، والمستبدل بقرار وزير الصحة والسكان رقم 46 لسنة 1997، والمواد (1/1 و6 و26/1، 4 و30/1) من القانون رقم 394 لسنة 1954 المعدل، والجدول رقم (2) الملحق به. طعنت النيابة العامة، والمحكوم عليه، في الحكم بطريق النقض، وقيد طعنهما برقم 5835 لسنة 94 قضائية، وأسست النيابة العامة طعنها على سند من مخالفة الحكم المطعون فيه لقرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023 باستبدال الجداول الملحقة بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 182 لسنة 1960 في شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها، بتوقيع عقوبة تقل عن الحد الأدنى المقرر بنص المادتين (36 و38/2) من القانون المشار إليه؛ إذ تضمن ذلك القرار نقل جوهر “الميثامفيتامين” المخدر من القسم الثاني إلى القسم الأول (ب) من الجدول رقم (1) الملحق بالقانون رقم 182 لسنة 1960، مما يوجب تشديد العقوبة المقررة لجريمة إحراز تلك المادة بغير قصد من القصود المسماة في القانون إلى السجن المؤبد والغرامة التي لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تجاوز خمسمائة ألف جنيه، وذلك طبقًا للفقرة الثانية من المادة (38) من القانون سالف الذكر. وبجلسة 26/10/2025، قضت محكمة النقض بوقف الطعن تعليقًا، وإحالته إلى هذه المحكمة للفصل في دستورية قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023.
ونعى حكم الإحالة على القرار المحال إهداره مبدأ شرعية الجرائم والعقوبـــــــات، وإخلالـــــــه بسيادة القانـــــــون، ومخالفته مبدأ الفصـــــــل بين السلطـــــــات؛ إذ استبدل الجداول المرافقة به بالجداول الملحقة بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 182 لسنة 1960 بدون تفويض من المشرع؛ ذلك أن القانون رقم 151 لسنة 2019 بإنشاء هيئة الدواء المصرية – وفقًا لنص المادة الثانية منه – قد أحل رئيس مجلس إدارتها محل وزير الصحة والسكان في الاختصاصات المنصوص عليها في القانون رقم 127 لسنة 1955 في شأن مزاولة مهنة الصيدلة، المتعلقة بتنظيم تسجيل وتداول ورقابة المستحضرات والمستلزمات الخاضعة لأحكام ذلك القانون، دون أن يتضمن النص على اختصاصه بتعديل الجداول الملحقة بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 182 لسنة 1960، وأن التفويض إذا تعلق بالتجريم والعقاب يتعين أن يكون واضحًا وصريحًا ومشتملًا على حدوده، فلا يقاس عليه، أو يتوسع فيه، فضلًا عن أن ذلك الاستبدال للجداول من شأنه تشديد العقوبة في حالة إحراز جوهر “الميثامفيتامين”، لتصل إلى الإعدام في حالة الاتجار، والسجن المؤبد في حالة الإحراز المجرد له، وهي عقوبات مغلظة، يتأبى تقريرها على غير السلطة التشريعية، أو بناء على تفويض تشريعي صريح بسنها، وذلك بالمخالفة لنصوص المواد (5 و94 و95) من الدستور.
وحيث إنه عن طلب التدخل الانضمامي في الدعوى المعروضة، فقد اطرد قضاء هذه المحكمة على أن شرط قبول التدخل في الدعوى الدستورية أن يكون مقدمًا ممن كان طرفًا في الدعوى الموضوعية التي يؤثر الحكم في المسألة الدستورية على الحكم فيها. وإذ كان طالب التدخل ليس خصمًا في الجناية محل حكم الإحالة، فمن ثم لا يعتبر من ذوي الشأن في الدعوى الدستورية المعروضة، ويتعين الحكم بعدم قبول تدخله، والاكتفاء بإيراد ذلك في الأسباب دون المنطوق.
وحيث إن المواد (1 و1 مكررًا و26 و32) من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 182 لسنة 1960 في شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها، المعدل بالقانون رقم 134 لسنة 2019، تنص على أنه:
مادة (١): “تعتبر جواهر مخدرة في تطبيق أحكام هذا القانون المواد المبينة في الجدول رقم (١) – الملحق به، ويستثنى منها المستحضرات المبينة بالجدول رقم (٢)”.
مادة (١مكررًا): “تعتبر في حكم الجواهر المخدرة في تطبيق أحكام هذا القانون المواد المخلقة المبينة في الجدول رقم (1) الملحق به، ويصدر بتحديد ضوابط ومعايير هذه المواد قرار من الوزير المختص.
وتسري على هذه المواد المخلقة جميع الأحكام الواردة في هذا القانون”.
مادة (٢٦): “لا يجوز في مصانع المستحضرات الطبية صنع مستحضرات يدخل في تركيبها جواهر مخدرة إلا بعد الحصول على الترخيص المنصوص عليه في المادة (7).
ولا يجوز لهذه المصانع استعمال الجواهر المخدرة التي توجد لديها إلا في صنع المستحضرات التي تنتجها ……..”.
مادة (٣٢): “للوزير المختص بقرار يصدره أن يعدل في الجداول الملحقة بهذا القانون بالحذف وبالإضافة أو بتغيير النسب الواردة فيها”.
وقد أُلحق بذلك القانون ستة جداول معنونة على النحو الآتي:
الجدول رقم (1): “المواد المعتبرة مخدرة”.
الجدول رقم (2): “المستحضرات المستثناة من النظــــــــام المطبق على المـــــــــــــواد المخدرة”.
الجدول رقم (3): “في المواد التي تخضع لبعض قيود الجواهر المخدرة”.
الجدول رقم (4): “الحد الأقصى لكميات الجواهر المخدرة الذي لا يجوز- للأطباء البشريين وأطباء الأسنان الحائزين على دبلوم أو بكالوريوس – تجاوزه في وصفة طبية واحدة”.
الجدول رقم (5): “النباتات الممنوع زراعتها”.
الجدول رقم (6): “أجزاء النباتات المستثناة من أحكام هذا القانون”.
وحيث إن المواد (58 و60 و64 و93 و94) من القانــــــون رقم 127 لسنة 1955 في شأن مزاولة مهنة الصيدلة، المعدل، تنص على أنه:
مادة (58): “تعتبر في تطبيق أحكام هذا القانون مستحضرات صيدلية خاصة المتحصلات والتراكيب التي تحتوى أو توصف بأنها تحتوي على مادة أو أكثر ذات خواص طبية في شفاء الإنسان من الأمراض أو للوقاية منها أو تستعمل لأي غرض طبي آخر …….. ويجوز لوزير الصحة العمومية بقرار منه أن ينظم تجهيز أو تداول أية مستحضرات أو أدوية أو مركبات يرى أن لها صلة بعلاج الإنسان أو تستعمل لمقاومة انتشار الأمراض”.
مادة (60): “لا يتم تسجيل أي مستحضر صيدلي خاص إلا إذا أقرته اللجنة الفنية لمراقبة الأدوية ….
وتضع اللجنة اللائحة المنظمة لأعمالها ويصدر بها قرار من وزير الصحة العمومية…”.
مادة (64): “لوزير الصحة العمومية بناء على توصية اللجنة الفنية لمراقبة الأدوية أن يصدر قرارات بحظر التداول لأي مادة أو مستحضر صيدلي يري في تداوله ما يضر بالصحة العامة،……”.
مادة (93): “تعتمد الجداول الملحقة بهذا القانون وتعتبر مكملة له. ويجوز لوزير الصحة العمومية أن يصدر قرارًا بإضافة أية مادة أخرى إليها. كما له أن يحذف منها أية مادة تكون مدرجة بها، …..”.
مادة (94): “لا يخل هذا القانون بأي حكم من أحكام القانون رقم 351 لسنة 1952 المشار إليه”.
وقد أُلحق بهذا القانون ثمانية جداول تحمل العناوين الآتية:
الجدول الأول: “المواد السامة”.
الجدول الثاني: “المواد والمستحضرات الصيدلية الجاهزة”.
الجدول الثالث: “المخدرات”: وتشمل المواد والمستحضرات المعتبرة مخدرة طبقًا لأحكام القانون رقم 351 لسنة 1952، والتي يجب أن تعزل وتحفظ في دولاب خاص يكتب عليه كلمة (مخدرات)، كما يجب أن تكون الصيدلية مزودة على الدوام ببعض الأمبولات المخدرة.
الجدول الرابع: “الأدوية التي يجوز للصيدلي صرفها بموجب تذكرة محررة بمعرفة المولدة”.
الجدول الخامس: “المواد البسيطة التي يصرح بالاتجار فيها في مخازن الأدوية البسيطة”.
الجدول السادس: “المواد القابلة للالتهاب”.
الجدول السابع: “جدول العطارين”.
الجدول الثامن: “جميع المواد السامة وغير السامة ومستحضراتها التي تستعمل في الصناعة”.
وحيث إن المادة الثانية من القانون رقم 151 لسنة 2019 بإصدار قانون إنشاء الهيئة المصرية للشراء الموحد والإمداد والتموين الطبي وإدارة التكنولوجيا الطبية وهيئة الدواء المصرية تنص على أنه “تحل هيئة الدواء المصرية المنشأة وفقًا لأحكام القانون المرافق محل كل من الهيئة القومية للرقابة والبحــــــوث الدوائيــــــة المنشأة بقــــــرار رئيس الجمهوريــــــة رقم 382 لسنة 1976، والهيئة القومية للبحوث والرقابة على المستحضرات الحيوية المنشأة بقرار رئيس الجمهورية رقم 398 لسنة 1995، وغيرها من الجهات والكيانات الإدارية ذات الاختصاص بمجال الرقابة على المستحضرات والمستلزمات الطبية………
كما تحل هيئة الدواء المصرية محل وزارة الصحة والسكان، ويحل رئيس مجلس إدارتها محل وزير الصحة والسكان، وذلك في الاختصاصات المنصوص عليها في القانون رقم 127 لسنة 1955 في شأن مزاولــة مهنــة الصيدلــــــة المتعلقــة بتنظيم تسجيل وتداول ورقابة المستحضرات والمستلزمات الخاضعة لأحكام هذا القانون…
وتحدد اللائحة التنفيذية للقانون المرافق مراحــــــــــل نقــــــــــل الاختصاصات التنظيمية والتنفيذية والرقابية إلى الهيئة،…”.
وتنص المواد (1 و15 و16 و18) من قانون إنشاء الهيئة المصرية للشراء الموحد والإمداد والتموين الطبي وإدارة التكنولوجيا الطبية وهيئة الدواء المصرية، الصادر بالقانون رقم 151 لسنة 2019، على أنه:
مادة (1): “يقصد في تطبيق أحكام هذا القانون بالكلمات والعبارات التالية المعنى المبين قرين كل منها:
1-………
2– المستحضرات الطبية: كل منتج أو مستحضر يحتوى على أي مادة أو مجموعة من المواد يستخدم بغرض العلاج أو الوقاية أو التشخيص في الإنسان أو الحيوان أو يوصف بأن له أثرًا طبيًّا آخر …………..
3-……………….
4- المستحضرات الحيوية: مستحضرات تحتوى على مادة فعالة أو أكثر يتم إنتاجها أو استخلاصها من مصدر حيوي، وتشمل على سبيل المثال: اللقاحات البشرية، الأمصال، منتجات ومشتقات الدم …………
5-………..
6- المواد الخام: المواد الفعالة أو غير الفعالة التي تستخدم في تصنيع المستحضرات والمستلزمات الطبية الخاضعة لأحكام هذا القانون،……
7- ……….”.
مادة (15): “تتولى هيئة الدواء المصرية، دون غيرها، الاختصاصات المقررة لوزارة الصحة والسكان والهيئات العامة والمصالح الحكومية فيما يخص تنظيم تسجيل وتداول ورقابة المستحضرات الوارد تعريفها في المادة (1) من هذا القانون، والمواد الخام التي تدخل في تصنيعها أينما وردت في القوانين ذات الصلة واللوائح والقرارات التنظيمية، وذلك بالإضافة إلى الاختصاصات المنصوص عليها في هذا القانون.”
مادة (16): “تهدف هيئة الدواء المصرية إلى تنظيم وتنفيذ ومراقبة جودة وفاعلية ومأمونية المستحضرات والمستلزمات الطبية المنصوص عليها في أحكام هذا القانون، وتقوم على تنفيذ أحكام قانون مزاولة مهنة الصيدلة المعمول به، …..”.
مادة (18): “يكون لهيئة الدواء المصرية مجلس إدارة برئاسة رئيس الهيئة يعين بدرجة وزير، ….”.
وتنص المادة (13) من اللائحة التنفيذية لقانون إنشاء الهيئة المصرية للشراء الموحد والإمداد والتموين الطبي وإدارة التكنولوجيا الطبية وهيئة الدواء المصرية، الصادرة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 777 لسنة 2020، على أنه:
“تحل هيئة الدواء المصرية محل وزارة الصحة والسكان، ويحل رئيس مجلس إدارتها محل وزير الصحة والسكان، وذلك في جميع الاختصاصات المنصوص عليها في القانون رقم 127 لسنة 1955 المشار إليه المتعلقة بتنظيم تسجيـــل وتسعير وتداول ورقابة المستحضرات والمستلزمات الخاضعة لأحكام القانون والمواد الخام التي تدخل في تصنيعها أينما وردت في القانون والقوانين واللوائح والقرارات التنظيمية ذات الصلة، ……”.
وحيث إن قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023 بشأن استبدال الجداول الملحقة بالقانون رقم 182 لسنة 1960 ينص على أنه:
مادة (1): “تُستبدل الجداول المرافقة بهذا القرار، بالجداول الملحقة بالقانون رقم 182 لسنة 1960 المشار إليه”.
مادة (2): “يُنشر هذا القرار في الوقائع المصرية، ويعمل به من اليوم التالي لتاريخ نشره”.
وأرفق بهذا القرار ستة جداول بديلة عن الجداول الستة الملحقة بقانون مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها، المشار إليه.
وحيث إنه من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن مخالفة نص في قانون أو لائحة لقانون آخر، وإن كانت لا تشكل في ذاتها خروجًا على أحكام الدستور المنوط بهذه المحكمة صونها وحمايتها، فإن ذلك لا يستطيل إلى حالة إذا ما كانت تلك المخالفة تشكل إخلالًا بأحد المبادئ الدستورية التي تختص هذه المحكمة بحمايتها والذود عنها. متى كان ذلك، وكانت المناعي التي أثارها حكم الإحالة بشأن القرار المحال لم تقتصر على مخالفته للقانون رقم 151 لسنة 2019، وإنما نسب إليه عوارًا دستوريًّا يتمثل في إخلاله بمبدأ سيادة القانون بما تضمنه من احترام النص القانوني الأدنى للنص الأعلى، تطبيقًا لقاعدة تدرج التشريعات، الأمر الذي يستلزم أن تجيل المحكمة الدستورية العليا بصرها في هذا العوار.
وحيث إن المقرر في قضاء المحكمة الدستورية العليا أن المصلحة في الدعوى الدستورية، وهي شرط لقبولها، مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم في المسألة الدستورية المطروحة على هذه المحكمة لازمًا للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها، المطروحة على محكمة الموضوع، والمحكمة الدستورية العليا وحدها هي التي تتحرى توافر شرط المصلحة في الدعوى المقامة أمامها أو المحالة إليها، للتثبت من توافر شروط قبولها. لما كان ذلك، وكان طعن النيابة العامة أمام محكمة النقض على حكم محكمة جنايات سوهاج في الدعوى رقم 7652 لسنة 2023 جنايات مركز جرجا، المقيدة برقم 2428 لسنة 2023 كلي جنوب سوهاج، يتساند إلى عدم تطبيق الحكم المطعون فيه قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023، المار بيانه، على الاتهام المسند إلى المحكوم عليه، الذي يؤدي تطبيقه إلى نقض الحكم المطعون فيه نقضًا جزئيًّا، وتصحيح العقوبة الموقعة على المحكوم عليه بتشديدها لتصبح الإعدام إذا كان الإحراز للجوهر المخدر بقصد الاتجار أو السجن المؤبد إذا كان بغير القصود المحددة في قانون مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها، وكان الفصــــــل في دستورية قــــــرار رئيس هيئــــــة الــــــدواء المصريــــــة – المحال – له أثر مباشر وانعكاس أكيد على قضاء محكمة النقض في طعن النيابة العامة على حكم إدانة المحكوم عليه، سالف البيان، ومن ثم تتحقق المصلحة المباشرة في الفصل في دستورية قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023، وفيه يتحدد نطاق الدعوى المعروضة.
وحيث إنه في شأن الاختصاص بتعديل الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها المنصوص عليه في المادة (32) من القانون المار ذكره، فقد سبق لهذه المحكمة – قبل العمل بقانون إنشاء الهيئة المصرية للشراء الموحد والإمداد والتموين الطبي وإدارة التكنولوجيا الطبية وهيئة الدواء المصرية، الصادر بالقانون رقم 151 لسنة 2019 – أن فصلت في هذه المسألة بحكمها الصادر بجلسة 9 مايو سنة 1981 في الدعوى رقم 15 لسنة 1 قضائية “دستورية”، وعينت المقصود بالوزير المختص، في الشأن السالف ذكره، بأنه وزير الصحة، دون غيره من الوزراء المكلفين بتنفيذ أحكام قانون مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها – كل فيما يخصه – على نحو سايرته المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 134 لسنة 2019 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 182 لسنة 1960، من أن وزير الصحة والسكان هو المنوط به إصدار القرار الذي يبين الضوابط والمعايير المتعلقة بتحديد الجواهر المخدرة التخليقية.
وحيث إنه من المقرر – على ما اطرد عليه قضاء هذه المحكمة – أن التحقق من استيفاء النصوص القانونية لأوضاعها الشكلية يعتبر أمرًا سابقًا بالضرورة على الخوض في عيوبها الموضوعية؛ ذلك أن الأوضاع الشكلية للنصوص القانونية هي من مقوماتها، لا تقوم إلا بها، ولا يكتمل بنيانها أصلًا في غيابها؛ ومن ثم تفقد بتخلفها وجودها كقاعدة قانونية تتوافر لها خاصية الإلزام.
وحيث إن الدستور هو القانون الأساسي الأعلى الذي يُرسي القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم ويحدد السلطات العامة، ويرسم لها وظائفها، ويضع الحدود والقيود الضابطة لنشاطها، ويقرر الحريات والحقوق العامة ويرتب الضمانات الأساسية لحمايتها، ومن ثم فقد تميز الدستور بطبيعة خاصة تُضفي عليه صفة السيادة والسمو، بحسبانه عماد الحياة الدستورية وأساس نظامها، وحق لقواعده أن تستوي على قمة البناء القانوني للدولة، وتتبوأ مقام الصدارة بين قواعد النظام العام، باعتبارها أسمى القواعد الآمرة التي يتعين على الدولة التزامها في تشريعاتها وفيما تمارسه من سلطات تنفيذية.
وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الدستور إذ نص في المادة (94) منه على أن سيادة القانون أساس الحكم في الدولة، وعلى خضوع الدولة للقانون؛ بحسبانه ضمانة أساسية لحماية الحقوق والحريات، فقد دل بذلك على أن الدولة القانونية هى التي تتقيد في كافة مظاهر نشاطها – وأيًّا كانت طبيعة سلطاتها – بقواعد قانونية تعلو عليها وتكون بذاتها ضابطًا لأعمالها وتصرفاتها في أشكالها المختلفة؛ لأن الدولة القانونية هى التي توفر لكل مواطن في كنفها الضمانة الأولية لحماية حقوقه وحرياته، بما يتوافق مضمونها مع الضوابط التي التزمتها الدول الديمقراطية باطراد في مجتمعاتها، واستقر نهجها على التقيد بها في مظاهر سلوكها على اختلافها، فلا تنزل بالحماية التي توفرها لمن يمارسونها عما يكون لازمًا لضمان فعاليتها في إطار من المشروعية، وهي ضمانة يدعمها القضاء من خلال استقلاله وحصانته لتصبح القاعدة القانونية محورًا لكل تنظيم، وحدًّا لكل سلطة، ورادعًا ضد العدوان.
وحيث إن الدستور اختص السلطة التشريعية بسن القوانين وفقًا لأحكامه؛ فنص فـــــي المـــــادة (101) على أن “يتولـــــى مجلس النواب سلطة التشريع”، ونصت المادة (95) منه على أنه “لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون”، وهو ما لا يعدو أن يكون توكيدًا لما جرى عليه العمل؛ من قيام المشرع بإسناد الاختصاص إلى السلطة التنفيذية بإصدار قرارات لائحية تحدد بها بعض جوانب التجريم والعقاب، وذلك في الحدود التي يبينها القانون ولاعتبارات يقتضيها الصالح العام، وإذ يعهد المشرع إلى السلطة التنفيذية بهذا الاختصاص فإن عملها لا يعتبر من قبيل اللوائح التنفيذية التي نظمتها المادة (170) من الدستور، وإنما يقوم هذا الاختصاص على تفويض بالتشريع استنادًا لنص المادة (95) من الدستور، لتحديد بعض جوانب التجريم والعقاب.
وحيث إنه يشترط في التفويض التشريعي الذي يجوز بناء عليه إصدار قرارات لائحية يتحدد بها بعض جوانب التجريم والعقاب أن يكون واضحًا في معناه قاطعًا في دلالاته، وأن ينضبط ذلك التفويض بالضوابط الدستورية المقررة في شأن سلطة إصداره؛ ذلك أن إقرار التشريعات هو اختصاص أصيل للسلطة التشريعية، ومباشرة السلطة التنفيذية له هو استثناء من هذا الأصل لا يجوز افتراضه أو التوسع فيه أو القياس عليه لضمان ألا يتحول هذا التفويض، وهو من طبيعة استثنائية، إلى سلطة تشريعية كاملة.
وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أنه يتعين تفسير النصوص التشريعية التي تنظم مسألة معينة بافتراض العمل بها في مجموعها، وأنها لا تتعارض أو تتهادم فيما بينها، وإنما تتكامل في إطار الوحدة العضوية التي تنتظمها من خلال التوفيق بين مجموع أحكامها، باعتبار أنها متآلفة فيما بينها، لا تتماحى معانيها، وإنما تتضافر توجهاتها، تحقيقًا للأغراض النهائية، والمقاصد التي تجمعها؛ ذلك أن السياسة التشريعية لا يحققها إلا التطبيق المتكامل لتفاصيل أحكامها دون اجتزاء جزءٍ منها ليطبق دون الجزء الآخر؛ لما في ذلك من إهدار للغاية التي توخاها المشرع من ذلك التنظيم. وإنه متى كان النص واضحًا جلي المعنى قاطع الدلالة على المراد منه، فلا يجوز الخروج عليه أو تأويله، بحسبان أن الأصل في تفسير النص هو التزام عبارته، كما أن الاستثناء لا يتوسع في تفسيره ولا يقاس عليه، فلا يطبق إلا في حالة توافر مناطه ولا يجوز مده إلى حالات أخرى لم يشر إليها النص.
وحيث إن البين من تتبع قانوني مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها، ومزاولة مهنة الصيدلة أن المشرع قد مايز بين هذين القانونين، وأبقى لكل منهما نطاقًا ومجالًا من الإعمال يختلف عن الآخر، وذلك لتباين الغاية التشريعية من إقرار كلا القانونين، والمصالح المحمية بنصوصهما؛ ذلك أن الغاية من إصدار قانون مكافحة المخدرات هي رسم سياسة تشريعية جنائية لمواجهة جرائم التعامل في المخدرات بأي صورة من الصور، وذلك على نحو ما ورد بالمذكرة الإيضاحية للقانون المذكور، والذي شُرع لمواجهة التأثير شديد الخطورة للجواهر والنباتات والمواد المخدرة – أيًّا كان اسمها أو تركيبها الكيميائي وخواصها الطبيعية أو التخليقية – على حياة جميع أفراد المجتمع، دون تخصيص لفئة منهم، فكان التجريم لاستيرادها وتصديرها وزراعتها وتصنيعها وتعاطيها، وغيرها من صور تداول هذه المواد المخدرة؛ حيازة وإحرازًا، ما دامت تخرج عن الأحوال المصرح بها قانونًا، ومن ثم فإن ذلك القانون يُعد – بغير شبهة– من القوانين الجنائية الخاصة التي تخضع في إقرارها وتفسيرها وتطبيقها لضمانات مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، ولا كذلك الحال في شأن قانون مزاولة مهنة الصيدلة، الذي ينظم بصورة أساسية أحكام وضوابط مزاولة هذه المهنة، وتدور نصوصه في هذا الإطار، ولا ينافيه انطواء بعضٍ من هذه النصوص على عقوبات جنائية لمخالفة أوامره ونواهيه؛ إذ تظل الغاية من إقرار هذه النصوص تدور في فلك تحقيق المصلحة الفضلى لمهنة الصيدلة ومنتسبيها، والمستفيدين منها. ومفاد ما تقدم أنه في الأحوال التي يجيز فيها كلا القانونين للسلطة التنفيذية التدخل لتعديل الجداول الملحقة بهما، والتي تُعد جزءًا من الأحكام التي اشتمل عليها كل منهما، فإن التفويض التشريعي بتعديل الجداول الملحقة بقانون غير عقابي، الذي يصدر لشاغل منصب بعينه، لا يمتد نطاقه لتعديل الجداول الملحقة بقانون عقابي، ولو كان المفوض تشريعيًّا بالتعديل في القانونين هو شاغل المنصب ذاته، فإذا أجازت المادة (93) من القانون رقم 127 لسنة 1955 في شأن مزاولة مهنة الصيدلة لوزير الصحة العمومية أن يعدل بالإضافة أو الحذف في الجداول الملحقة بهذا القانون، فإن هذه الإجازة لا تمتد إلى تعديل المواد والمستحضرات المعتبرة مخدرة طبقًا لأحكام قانون مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها، التي ورد ذكرها في الجدول رقم (3) الملحق بقانون مزاولة مهنة الصيدلة؛ التزامًا بما نصت عليه المادة (94) من القانون ذاته من عدم إخلال هذا القانون بأي من أحكام قانون مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها، الصادر بالمرسوم بقانون رقم 351 لسنة 1952، الذي أُلغي بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 182 لسنة 1960 المشار إليه، والذي بحلوله بديلًا عن المرسوم بقانون المار ذكره، يُعد قيدًا على القانون رقم 127 لسنة 1955 في شأن مزاولة مهنة الصيدلة يحظر عليه الإخلال بأحكام القانون القائم بشأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها.
وحيث إنه باستقراء نصوص قانون إنشاء الهيئة المصرية للشراء الموحد والإمداد والتموين الطبي وإدارة التكنولوجيا الطبية وهيئة الدواء المصرية، ولائحته التنفيذية، يبين أن المشرع قد أنشأ هيئة عامة خدمية باسم “هيئة الدواء المصرية”، لها شخصية اعتبارية، وأتبعها لرئيس مجلس الوزراء، وجعل رئيس مجلس إدارتها بدرجة وزير، وأحلها محل الهيئة القومية للرقابة على البحوث الدوائية، والهيئة القومية للبحوث والرقابة على المستحضرات الحيوية، وغيرهما من الجهات والكيانات الإدارية ذات الاختصاص بمجال الرقابة على المستحضرات والمستلزمات الطبية. وتهدف هذه الهيئة إلى تنظيم وتنفيذ ومراقبة جودة وفاعلية ومأمونية المستحضرات والمستلزمات الطبية، وتقوم على تنفيذ أحكام قانون مزاولة مهنة الصيدلة، وكذا أحلها محل وزارة الصحة والسكان، وأحل رئيس مجلس إدارتها محل وزير الصحة والسكان في الاختصاصات المنصوص عليها في القانون رقم 127 لسنة 1955 في شأن مزاولة مهنة الصيدلة المتعلقة بتنظيم تسجيل وتداول ورقابة المستحضرات والمستلزمات الخاضعة لأحكام هذا القانون، والسابق تحديدها في المواد (58 و60 و64) من الفصل الثالث منه، ومن ثم فإن قانون إنشاء هيئة الدواء المصرية تضحى غايته وفقًا لمذكرته الإيضاحية هي “وحدة الإجراءات الرقابية المطبقة على الدواء والمستحضرات والمستلزمات والأجهزة الطبية بإنشاء كيان واحد يختص بإجراء تلك الرقابة وفق القواعد التي يضعها بما يؤدي إلى فاعليتها”، وهي غاية تشريعية تفارق الغاية التي شُرع من أجلها قانون مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها على النحو المار ذكره، مما يتعذر معه الربط بين أحكامهما في وحدة عضوية مشتركة تستطيل معها لإحدى الجهتين القائمتين على تنفيذ أي من هذين القانونين إلى استبدال أو تعديل أحكام الجداول الملحقة بالقانون الآخر، وتبعًا لذلك فإن اختصاص رئيس هيئة الدواء المصرية ينحسر عن استبدال الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها، المار ذكره.
وحيث إن قيام رئيس هيئة الدواء المصرية باستبدال الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها، المار بيانه، بموجب القرار رقم 600 لسنة 2023، استنادًا إلى ما قضت به الفقرة الثانية من المادة الثانية من القانون رقم 151 لسنة 2019، المشار إليه، بحلول رئيس مجلس إدارة هيئة الدواء المصرية محل وزير الصحة والسكان، وذلك في الاختصاصات المنصوص عليها في القانون رقم 127 لسنة 1955، في شأن مزاولة مهنة الصيدلة المتعلقة بتنظيم تسجيل وتداول ورقابة المستحضرات والمستلزمات الخاضعة لأحكام هذا القانون، وما نصت عليه المادة (15) من قانون إنشاء هيئة الدواء المصرية المار بيانها، فإنه مردود:
أولًا: بأن حلول رئيس مجلس إدارة هيئة الدواء المصرية محل وزير الصحة والسكان مقصور على الاختصاصات المنصوص عليها في القانون رقم 127 لسنة 1955، في شأن مزاولة مهنة الصيدلة المتعلقة بتنظيم تسجيل وتداول ورقابة المستحضرات والمستلزمات الخاضعة لهذا القانون، على ما جرى به نص المادة الثانية من القانون رقم 151 لسنة 2019، المار بيانه، دون أن يجاوز ذلك الحلول إلى استبدال الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها، ولا يغير من ذلك أن يدخل في تكوين بعض هذه المستحضرات مواد مخدرة؛ لذاتية القوانين الجنائية وانفرادها عن غيرها في دلالة أحكامها، على ما سبق بيانه.
ومردود ثانيًا: بأن نص المادة (15) من قانون إنشاء هيئة الدواء المصرية، سالف البيان، قصر توليها اختصاصات وزارة الصحة والسكان في شأن تسجيل وتداول ورقابة المستحضرات الوارد تعريفها في المادة (1) من هذا القانون، وأن المقصود من عبارة “القوانين ذات الصلة” التي يمتد إليها اختصاص هذه الهيئة في شأن المستحضرات والمستلزمات الطبية، إنما يتحدد في القوانين والتشريعات اللائحية غير العقابية التي تدور في فلك تنظيم تسجيل وتداول ورقابة المستحضرات المار ذكرها، ولا يستطيل حكمها إلى الجواهر والنباتات والمواد المخدرة، المحددة في الجداول الملحقة بالقانون المنظم لمكافحتها، والتي تتأبى على استبدال أو تعديل أي من بنودها، إلا بتشريع جنائي يماثل التشريع الملحق به في طبيعته القانونية.
ومردود ثالثًا: بما نصت عليه المادة (18) من قانون إنشاء الهيئة؛ من قصر منح الضبطية القضائية لبعض العاملين بها على الجرائم المنصوص عليها في القانون رقم 127 لسنة 1995 بشأن مزاولة مهنة الصيدلة، دون أن يمتد ذلك الاختصاص إلى الجرائم المنصوص عليها في قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 182 لسنة 1960 سالف الذكر، التي يختص بضبطها مأمورو الضبط القضائي ذوو الاختصاص العام، كلٌّ بحسب اختصاصه الوظيفي أو المكاني.
ومردود رابعًا: بأن إدراج الرسوم الخاصة بالموافقة الاستيرادية للمخدرات، وإذن الجلب، ضمن الرسوم التي تحصلها الهيئة نظير أنشطتها، قد جاء ضمن البند الخاص “برسوم الترخيص باستيراد الأدوية والخدمات الدوائية والخطط الإنتاجية”، وذلك في إطار اختصاصها بتنظيم تسجيل وتداول ورقابة المستحضرات الطبية، التي قد تكون المواد المخدرة عنصرًا من عناصر تركيب ذلك المستحضر الدوائي، وذلك بمراعاة استقلال تحصيل الرسوم المقررة لاستيراد المواد المخدرة عن أمر تعديل الجداول الملحقة بقانون مكافحتها، لاختلاف طبيعة العمل المالي عن الفني.
ومردود خامسًا: بأن النص على اختصاصات رئيس مجلس إدارة هيئة الدواء المصرية المار بيانها، التي وردت في قانون إنشاء الهيئة الصادر بالقانون رقم 151 لسنة 2019، جاءت متزامنة مع صدور القانون رقم 134 لسنة 2019 بتعديل قانون مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها سالف البيان، الذي أبان – في إفصاح جهير- أن وزير الصحة والسكان هو المختص بتعديل الجداول الملحقة به، بما مؤداه أن أمر الوزير المختص بتعديل تلك الجداول كان تحت بصر المشرع إبان إقرار قانون هيئة الدواء المصرية، وأن حلول رئيس الهيئة محل وزير الصحة والسكان في تعديــــــل هذه الجداول كان متاحًا، فإن أمسك عنه المشرع في القانون اللاحق – قانون إنشاء هيئة الدواء المصرية المار ذكره – فإن مفاد ذلك أن يظل اختصاص وزير الصحة والسكان بتعديل الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها معقودًا له وحده، دون أن يحل رئيس هيئة الدواء المصرية بدلًا منه.
وهديًا بما سلف، فإن قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023، باستبدال الجداول المرفقة به بالجداول المقابلة لها الملحقة بقانون مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها، سالف البيان، يُعد افتئاتًا على التفويض التشريعي لوزير الصحة والسكان بتعديل الجداول الملحقة بهذا القانون، على ما تنص عليه المادة (32) منه، ويُشكل تجاوزًا لحدود حلول رئيس هيئة الدواء المصرية محل وزير الصحة والسكان في اختصاصات الأخير المنصوص عليها في القانون رقم 127 لسنة 1955 في شأن مزاولة مهنة الصيدلة، وهى الاختصاصات المتعلقة بتنظيم تسجيل وتداول ورقابة المستحضرات والمستلزمات الخاضعة لهذا القانون، ولا سند له من نص المادة الثانية من القانون رقم 151 لسنة 2019 أو نص المادة (15) من قانون إنشاء هيئة الدواء المصرية وفق ما تقدم بيانه، الأمر الذي يغدو معه قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023 مهدرًا مبدأ سيادة القانون، مخلًّا بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، مفتئتًا على مبدأ الفصل بين السلطات، ويُعد بهذه المثابة مخالفًا لنصوص المواد (5 و94 و95 و101) من الدستور.
وحيث إن رئيس هيئة الدواء المصرية قد أصدر عددًا من القرارات بتعديل الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها، من بينها القرار المحال، وكانت تلك القرارات – ما سبق منها القرار المحال وما لحق به – وإن لم يشملها نطاق الدعوى المعروضة، فإنها باتت مشوبة بالعوار الدستوري ذاته الذي لحق قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023، المقضي بعدم دستوريته، مما لزامه الحكم بسقوط جميع قرارات رئيس هيئة الدواء المصرية السابقة واللاحقة على القرار المقضي بعدم دستوريته، الصادرة بتعديل الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها المشار إليه.
وحيث إن القضاء بعدم دستورية القرار المحال وسقوط القرارات السابقة واللاحقة عليه السالف بيانها، مؤداه: اعتبارها كأن لم تكن منذ صدورها، ويظل للجداول الملحقة بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 182 لسنة 1960 في شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها، وتعديلاتها، قوة نفاذها، بعد إبطال أداة إلغائها، فيُعمل بهذه الجداول في شأن الدعاوى الجنائية التي كانت محلًّا لتطبيق قانون مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها، التي أُقيمت عن وقائع ضُبطت خلال الفترة التي عُمل فيها بالقرار المقضي بعدم دستوريته والقرارات المقضي بسقوطها، على أن يستمر العمل بتلك الجداول ما لم تعدل أو تستبدل بها أداة قانونية صحيحة، ويكون للدوائر الجنائية بمحكمة النقض، ومحاكم الجنايات بدرجتيها، والنائب العام – بحسب الأحوال – إعمال مقتضى هذا الحكم، وفق مفهوم نص المادة (195) من الدستور، والمادتين (48 و49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة:
أولًا: بعدم دستورية قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023 باستبدال الجداول الملحقة بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 182 لسنة 1960 في شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها.
ثانيًا: بسقوط قرارات رئيس هيئة الدواء المصرية السابقة واللاحقة على القرار المقضي بعدم دستوريته، الصادرة في شأن تعديل الجداول الملحقة بقرار رئيس الجمهورية بالقانون المشار إليه.
أمين السر رئيس المحكمة




